فؤاد سزگين
31
تاريخ التراث العربي
2 - اعلم أنه في موضوع عمل الإكسير لم يعثر حتى اليوم ، إلا على ثلاثة تدابير تؤدي من القوة والإمكانية إلى التحقيق . وسأشرحها هنا ليتضح لك بقدر الإمكان كل ما قدمناه لك من ملاحظات . أما التدبير الأول الذي بلغ الهدف الأقصى ، فقد مارسه ، كما تفيد الروايات التي جمعناها في ذلك ، آريوس القديم وأخوه أستخانيوس ( ؟ ) جنبا إلى جنب مع آخرين من معاصريهما . هذا وقد استعمله فيما بعد هرقل وأغاذيمون ومن ثم سقراط ، أعظم معلمي الكيمياء الذي لم يفقه أحد ممن جاء بعده . وأما التدبير الثاني فهو ما عمل به منذ أغاذيمون وحتى زماننا . فلقد قرب عمل التدبير الأول وما منع أن بلغ التدبير الثاني النتيجة ذاتها ، ذلك لأنه عدل فيه ما أغفل ، فما كان دون التدبير الأول ؛ ومنزلة التدبير الثالث من الثاني كمنزلة الثاني من الأول . 3 - « . . . ثم لما امتزجت الأصول ( الطبائع الأربع ) واختلطت ، وعلق كل عرض من هذه الأعراض بالجسم ، ظهر الظاهر فأخبر أن في مقدور الإنسان أن يعمل عمل الطبيعة ، ثم إنه ضرب مثالا ذلك بأن رد الأشياء إلى كيانها ، فعمل المذابات ثم إنه ألزمها الطبخ دائما كدوام طبخ الطبيعة الذي لا يغير ، فعمل المذابة أولا وهي شكل مدور على شكل الكرة وجعل ذلك في نهر على عمل الدولاب ، وجعل دورانه دائما ، ثم أوقد عليه وقودا دائما في الحفر الذي تحت المذابة ، وجعل في المذابة الرصاص الأسرب أولا ولم يزل الطبخ يأخذه دائما حتى أخرجه فضة بيضاء ، ثم أخذه الطبخ أيضا حتى أخرجه ذهبا ، ثم كذلك دبر القلعي والحديد والنحاس حتى عملها كلها ، وفعل مثل ذلك بالفضة فكان أول الصنعة هذا . ثم إنه غاب ( المعلم الأول ) فظهر ظاهر آخر فيه قوة عجيبة فعمل الإكسير الأعظم ( كأول واحد ) في المدة البعيدة أولا . ثم لم يزل الناس يعملون به إلى زمن أفلاطون العظيم ، ثم إنهم أحبوا أن يلخصوه فقربوا مدته فصار على العشر مما عمل أولا . ثم لم يزل ينقص حتى بلغ إلى عشر العشر ، ثم إن التراكيب والأعمال ظهرت وكان مما هي حق ثم إنهم عملوا ما ليس بشئ مثل المزيف والبهرج وغيره من جميع المحصولات ( الظاهرية ) فأفسدوا ما عملته الفلاسفة أولا . ثم إن الأصل ( أصل الكيمياء ) أيضا كان من ( تفاعل ) الطبائع لا من غيرها ، فالوصول إلى معرفتها « معرفة الطبائع » ميزانها ، فمن عرف ميزانها عرف كل ما فيها وكيف تركبت » .